السيد محمد تقي المدرسي
380
من هدى القرآن
حرام ، وأنه رجس . كل ذلك صحيح ومقبول ولكن يبدو أن هناك فكرة أعمق وهي : أن الإنسان إما أن يعبد الله وحده لا شريك له ، ويلتزم بالقيم التي أمر بها الله سبحانه ، وإما أن يخضع للشيء أي شيء كان . بتعبير آخر : الناس اثنان ، فإما إنسان قيمي يقدِّس القيم ويؤمن بالغيب ، أو إنسان شيئي لا يؤمن إلا بالشهود ، وهو يقدِّس الأشياء ، إن الرذيلة . . الانحراف . . الظلم . . إلخ كل ذلك ناتج عن شيئية الإنسان وعدم تقديسه للقيم ، وقد يحول في بعض الأحيان القيم إلى الشيء ، فتراه يذهب إلى الحج ولكنه ليس بهدف الوصول إلى الله من خلاله ، بل ينظر إلى مناسكه نظرة شيئية ، فيتوجه قلبه إلى هذه الأشياء دون أن يجعلها سبيلًا ورمزاً إلى القيم التي وراءها ، فالكعبة يجب أن تكون عندنا رمز التوحيد والوحدة ، والذبح يجب أن يرمز إلى أن كل شيء فداء لله ، ورمي الجمار يجب أن يرمز إلى ضرورة مقاومة الشياطين . . . الخ . والذي ينحرف فيعبد الشيء لا شك أنه سوف ينحرف انحرافات أخرى ، ومنها الشطرنج ، الذي يشبه إلى حد ما تلك العادة الجاهلية التافهة ، التي كانت تقضي بالقرعة عند الأوثان ، ثم العمل بمقتضى ما يستخرج منها . لذلك جاء في الأثر : عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال في قول الله عز وجل : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ، قال : [ الرِّجْسُ مِنَ الْأَوْثَانِ الشِّطْرَنْجُ وَقَوْلُ الزُّورِ الْغِنَاءُ ] « 1 » . وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً : أن من قول الزور : [ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلَّذِي يُغَنِّي أَحْسَنْتَ ] « 2 » . وفي رواية أيمن بن خزيم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : خطبنا فقال : [ عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِالله قَالَهَا ثَلَاثاً ثُمَّ قَرَأَ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ] « 3 » . ومن مجموع هذه الأحاديث نستوحي أن قول الزور هو كل قول باطل . وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ صحيح أن كلمة قَوْلَ الزُّورِ فسرت بالغناء والطرب واللهو ، ولكن أهم وأعظم من قول الزور هذا هو : أن يقول الإنسان كلاماً فينسبه إلى الله تعالى ، ويتعبد به فيحلل ما حرَّم الله ويحرم ما أحلَّ الله سبحانه .
--> ( 1 ) الكافي : ج 6 ص 435 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 17 ص 309 . ( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 17 ص 416 .